الرأي له احترام خاص بين الناس العقلاء , وما أجمل تلك الخلافات القائمة على المحبة والمودة بين الطرفين , وما دامت لم تخرج عن إطار النص الشرعي والخُلقي والإنساني . فما أحسنه وما أجمله من خلاف وتعايش ..
لكن ما حدث خلال الأيام والأسابيع والشهور الماضية من استغلال سيء جدًا للإحداث السياسية لتأجيج نيران الخلاف التي نحسب أنها انطفئت وإلا تثأر لأجل إيجاد العدو المشترك بين السياسة والدين !
وما أسهل التلقيب والتصنيف والتبديع والتفسيق وإخراج الناس من الملة – من الكل بلا استثناء – وكأن هذا هو الدين فحسب .
ما زلت أتذكر ما قرأته حول الفتن الطائفية التي حدثت بالقرون الوسطى من الإسلام من القرن الرابع الهجري الذي حصلت به أنواع المشاحنات الطائفية والمذهبية فيما بين مدارس الإسلام المختلفة , حتى وصلت لحد المضاهاة والمشابهة بأعياد بعضهم البعض وأيامهم ؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر : فقد حدث في إحدى السنين أنه خرج أهل السنة في الثامن والعشرين من شهر ذي الحجة لإحياء ذكرى دخول النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق أبو بكر رضي الله عنه لغار ثور قبيل الهجرة إلى المدينة المنورة !! وذلك في مشابهة لذكرى غدير خم الذي خطب به النبي صلى الله عليه وسلم في الثامن عشر من ذي الحجة الذي يقول فيه الشيعة أنه عهد فيه النبي لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بالولاية والخلافة له من بعده !
وهكذا المشاحنات الطائفية تتم بين حينـًا واخرى , ولا ننسى الدخول السياسي فيه بجميع ما أُوتي من قوة , كما هي سلاح فعّال يتم الضرب به لأجل تحقيق مآرب ومصائب آخرى !
ولك أيها القارئ الكريم أن تتصور معي :
دخول حرب إقليمية ومواجهة فيما بين حكومة بلد وحركة مسلحة مناوئة لما في ذلك البلد ؛ وكانت دولة مجاورة صديقة قد دخلت خط النار فيما بين تلك الدولة وهذه الحركة , لأجل تحصيل مكاسب لتلك الدولة , لكن ما أن تقع المواجهة ويقع الأبرياء على خط النار , ثم يستخدم الجانب الحكومي من الدولتين الطائفي والمذهبي في أجل تبرير مسألة هذه المواجهات !!
بل استدعاء النصوص الشرعية من الوحيين الكتاب والسنة للتدليل أنها حرب طائفية تريد بالإسلام والمسلمين الجرم والسوء .
حسنـًا دعونا نقارن هذا الفعل الآن بفعل من القرون المفضلة , بل من العصر الذهبي لدولة الخلافة الراشدة :
الخوارج يخرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يكن ليحاربهم قط حتى يسمع منهم ما الذي أخرجهم عليه , ومن ثم يرسل الحبر الكبير عبدالله بن عباس رضوان الله عليه ليناقشهم وليرى ما لديهم من أطروحات لكي يصححها الإمام علي حينما يكتشف أنه في هذه النقطة التي غضبوا عليها وهي تحكيم الحكمين فيما بينه – أي علي وبين معاوية – لم تكن سواء فهم خاطئ للنص !
لكنه لم يكتفي بذلك بل قام بالمحاورة والمناصحة , ومن أهم الثمرات والنتائج رجوع أهل النهروان وأغلبهم إلى موقف أهل الحق جيش علي بن أبي طالب عليه السلام .
بينما الإمام علي فيما صح عنه أنه قال لهم وقال كذلك لمن معه من أصحابه : ” إلا أن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا : لن نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فيئا ما كانت أيديكم مع أيدينا ، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا ” رواه البيهقي وابن أبي شيبة .
فمن هنا يتبين أنه لابد من هذه الخطوة الأساسية قبل اتخاذ قرار المواجهة العسكرية , ثم هناك أمر آخر وهو التحريض الطائفي عليهم , وإبراز انهم عملاء وما خرجت إلا للحرب من أجل نشر المذهب وتوسيع الطائفة , وتلفيق الأخبار والتهم وتجييش الدعاة والمشايخ والوعاظ لأجل التسلل الإعلامي والتأثير على الناس بهذه الطريقة وإيهامهم بأن هناك مطالب حتى للظالم يجب أن تُسمع .
وما كانت مشكلة العريفي الأخيرة إلا دليل واضح على هذا التورط الخطير في حُسن دهاء وإستخدام السياسي للسلطة الدينية وتحكمها فيها بعدما تحكمت وألزمت الناس – أي السلطة الدينية – وأدخلت ماهو لازم لإصلاح الشعوب وإرهاق دم الفساد والظلم في قائمة المحرمات والمحظورات التي ينبغي على المحرم يحرم بها لأجل حج السلطان أن يبتعد منها ويفر كما يفر البعير من ناقته !
ولله الأمر من قبل ومن بعد ..

6 تعليق على “رياح الطائفية …”