ذهب صديقنا منصور الوزير المتوج مع أصدقائه الجدد (الحرس) إلى طريق المطار وذلك لإتمام العمل الذي أُخذ من أجله منصور , وفي الطريق إذ بصاحبنا يتلو عليه ما تيسر من كتاب الله العزيز لكي يهدأ خاطره وروعه مما حل به من أحداث في هذه الليلة ..

وما أن وصل إلى قرب المكان والذي هو أشبه بالثكنة العسكرية أو القاعدة العسكرية , أمره الحرس بأن يخلع معاليه ما عليه من ملابس وقدموا له ملابس عسكرية !!! وقال منصور لهم : أنا لم أكن عسكريـًا في حياتي قط , ولن أكون , فكيف لي أن ألبس هذه الملابس ؟؟
فقال له أحدهم وبتلك النبرة الهادئة التي كان الحزم يعلوها : ما عليك يا سيدي , فإن هذه هي الأمور الجديدة !! ولكي تدخل إلى هذا المكان لابد أن تلبس هذه الملابس وكي تؤدي العمل وتلتقي بالقادة ..
فقال لهم : حسنـًا سمعـًا وطاعةً لولي الأمر !!! وهو في قرارة نفسه يتمنى أن تذوب وتسيخ به الأرض قبل ملاقاة ذلك الولي الفقيه القائد المفدى الملهم !
فذهب ولبس تلك الملابس , وإذ به يراه الحرس وقد وقفوا له وقاموا بتأدية التحية العسكرية له , وهو مندهش لما يراه من أمور تهوله ولم تكن أن تدور بفلك خاطره أبدًا أبدًا أبدًا ..
فقام أحد الحرس بدله على مبنى لابد أن يدخله لكي يلتقي بالمسؤولين , وإذا به مبنى ضخم فخم ويشبه القصر إلى حدٍ ما , ولا يقطنه إلا من كان من علية القوم والذين لا يراهم منصور إلا في التلفاز من ذوي الديباج الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق والمنيل بستين ألف نيلة أيضـًا !
دخل المبنى ووقف له حراس المبنى وتوقف الحراس الذي قاموا بإيصاله من قبل ولم يدخلوا معه وقال لهم : لقد استأنست بكم وبصحبتكم , فقالوا له : لا يمكننا الدخول إلى أكثر من هذا الحد بحيث أن لا يُسمح لنا بالدخول أصلاً وهو مخصص لكبار الشخصيات من أمثالكم !!
فأنس الخيفة والحذر في نفسه منصور واتكل على ربه الحي القيوم ودخل المبنى وهو فكره مشغول بنفسه وبأهله , وعقله مليء بالاستغراب من الأحداث التي جرت عليه في هذه الليلة من تعيين بمنصب وزاري كبير , وأخذه من مكان لا يعلمه حتى أهله الذين يعيش بينهم .
كيف له أن يصف تلك المشاعر المختلجة , وهو يحسب لنفسه الساعات القليلة التي سوف يرى بعدها عالم الضياء الأخروي , ويفكر في مصير أهله المغلوب على أمرهم المساكين من بعد رحيله , وكيف سيكون حال أهله بعد رحيله ؟
لكن هناك ما يشبه ذلك الضياء الضئيل الذي يخرج من المصباح في عتمة الظلام الشديد , ويحس به كأنه الأمل المشرق أن باستطاعته أن يحاول أن يقيم العدل في بلده , والذي كان ناقدًا على ذلك الأمر أشد النقد وألمه ..
يصعد به المصعد وبرفقته أحد حرس المبنى إلى الدور الأخير , ويتوقف به ويُفتح الباب , وإذا بمنصور يسمع في نفسه قول الله تعالى : “ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ” .
وإذا يدخل على من الباب المزخرف ومكتوب عليه مكتب معالي الأمين العام , ويدخل الغرفة الواسعة تلك وتشبه أي غرفة مكتب أو اجتماعات كبيرة ومعتمة اللون , وبها مكتب فخم وجميل ليس عليه إلا هاتفين وجهاز حاسب آلي , وملفات قليلة فقط لا غير
وهناك رجل جالس على هذا المكتب وهو لابس البدلة العسكرية , لكنه مدير ظهره لمن يدخل إليه , وقد وضع قبعته العسكرية على الطاولة , وهو يتكلم عبر سماعة الهاتف وكأنه يصدر الأوامر إلى أحدهم قائلاً : عليك بجلب بقية الوزراء إلى مقر القيادة القطرية !!
وإ بصاحبنا منصور يُصعق وهو لا يكاد يسمع صوت هذا الجالس خلف هذا الكرسي الوثير إلا وهو صوت قد سمعه من قبل ويعرفه معرفة جيدة ! كيف لا وهو أحد أصدقائه وأحبابه , وإذا بهذا الكرسي يتحرك ويقوم ما كان عليه وإذا هو صديقه الذي كان يقول له مع أصدقائه في تلك الجلسات الآثمة : ا شباب نبغى نرجع بيوتنا أهالينا يبغوننا
!!!!
نعم هو ذلك الأخ كان صاحب المعالي الأمين العام للحزب , وأي حزب ؟ هذا حزب قام بإنشائه مع أصدقائه هكذا كما يسمى بالمشاكسة والمداعبة كان هو الأمين العام للحزب ذلك , والآن هو صاحب المعالي حقيقةً وواقعـًا مفروضـًا , وإذا به يضحك صاحب المعالي ويقول : تفضل يا منصور على الكرسي الذي كنت جالسـًا عليه منذ قليل فمحلك أنت هنا .
صديقنا منصور هذا ما زال لم يستوعب الأمر فكثرة المفأجات في هذه الليلة أفقدته الصواب وجانبته التفكير وجعلته مثل الهائم بالفعل ! وبعدما جلس صديقنا على أقرب كرسي وقد أمسك به صاحب المعالي هذا و أجلسه بهدوء وهو مندهش مما حصل , ويقدم له الماء , ويقول له منصور : يا مسلم كيف أتيت إلى هنا وبأي صفة حتى ؟
ضحك صديقه وقال له : هذه حكاية طويلة لكن أبرز الأحداث بها : إننا ومجموعة من الرفاق في الحزب قد اتفقنا على القيام بعملية انقلابية بيضاء أزحنا الحكومة وأقمنا حكومة جديدة وتم ترشيحك لوزارة العدل ولرئاسة مجلس الوزراء !! قال له منصور : يا حبيبي طيب ما هي مصلحتي في هذا الأمر برمته ؟ لا أريد الدخول في صراعاتكم , أريد أمر توفير معاشي وتوفير خدمة جيدة لأهلي ونفسي ولبلدي , فأنا سليم في بدني ونفسي ومالي دون الدخول في هذه الصراعات .
فقال له صديقه : يا منصور : قد أزعجتنا بكثرة الانتقاد والاستياء حينما كنا نجلس سوية , فهاهو الأمر الأ بين يديك وملك يمناك فأعمل ما شئت .
وبعد تكفير طويل قال منصور حسنـًا حسنـًا أعطني مهلة للتفكير , فقال له الأمين : لا مجال للتفكير هنا محل القرار والحسم وقد أُتخذ القرار ولا رجعة فيه .
وقال له : حسنـًا دلني على المكتب .
ودخل المكتب ولقي أفراد وزارة الإعلام قد وفقوا في أتم الاستعداد لكي يتم إعلان الخطاب الثوري الجديد ويحمل الرقم (1) ويحمل المضامين التي قامت عليها الثورة البيضاء تلك , وتلا هذا الخطاب الذي لم يكن مقتنعـًا به أصلاً .
وذهب إلى مقر المحكمة في اليوم التالي وذلك بعد الأوامر العليا التي تأمره بمحاكمة أعضاء الحكومة السابقة بتهم الفساد الإداري والقضائي والأخلاقي ولما ذهب إلى مكتب القاضي لكي يدخله , وجد ذلك الموظف الذي قال له ذات يوم : رح للمكان اللي تبغاه !!! وجده هو بشحمه ولحمه , ولما رآه الموظف اندهش منه وقال له : أعذرني يا معالي الوزير لم أكن اعلم بأنك الوزير , فقال له منصور : لا بأس عليك لكن سوف يتم نقلك من هذا المكان لكي تحسن معاملة الناس وتواجههم بشكل جيد ولطيف .
ودخل على صديقه المغفل الذي اعترض وهاج وماج – بعدما انتهينا من كتابة الجزء الأول – وهو بمثابة القاضي وقام بإخراجه من المكتب وطرده خارج سلك القضاء وذلك لمعرفته بأنه لا يصلح لهذا الأمر , وأن هذا الأمر لا يصلح فيه إلا المجاهر بالحق فقط وليس من كان عونـًا للباطل وساترًا له ومعينـًا له .
وإذا به هذا الوزير إذا يد ترتب على كتفه قائل صاحبها : قم فقد أتى وقت الجلسة وكفى نومـًا في صالة الانتظار !!!
وحياكم الله
عاطل بمرتبة وزير !!! (1)
5 تعليق على “عاطل بمرتبة وزير !!! (2)”